مجمع البحوث الاسلامية

441

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أنّهم اختلفوا في علّة ذلك على قولين : 1 - كان عنّينا لا ماء له ، ولم يكن معه إلّا مثل هدبة الثّوب ، أو مثل الأنملة أو القذاة أو النّواة ، وهو قول المتقدّمين من الصّحابة والتّابعين . و « حصور » على هذا القول « فعول » بمعنى « مفعول » ، كأنّه محصور عنهنّ ، أي ممنوع محبوس عنهنّ ، ونظيره « ركوب » ، أي مركوب ، و « حلوب » أي محلوب . 2 - كان قادرا على الوطء ، إلّا أنّه يمسك نفسه تقى وجلدا في طاعة اللّه ، وهو قول المتأخّرين ، كالبغويّ والزّمخشريّ وغيرهما . و « حصور » على ذلك « فعول » بمعنى « فاعل » ، أي يحصر نفسه ويمنعها من الشّهوات . قال البغويّ : « اختار قوم هذا القول لوجهين : أحدهما : لأنّ الكلام خرج مخرج الثّناء ، وهذا أقرب إلى استحقاق الثّناء . والثّاني : أنّه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء » . خامسا : فسّروا ( حصيرا ) في ( 6 ) بمعنيين : 1 - السّجن والمحبس ، وهو قول ابن عبّاس وقتادة وابن زيد ، وإليه ذهب أغلب المفسّرين . وهو على هذا القول « فعيل » بمعنى « فاعل » من قولهم : حصرت الرّجل ، أي حبسته ، فأنا حاصر وهو محصور ، وهذا حصيره ، أي محبسه . وقال أبو حيّان : « والّذي يظهر أنّها حاصرة لهم محيطة بهم من جميع جهاتهم ، فحصير معناه ذات حصر ؛ إذ لو كان للمبالغة لزمته التّاء ، لجريانه على المؤنّث ، كما تقول : رحيمة وعليمة ، ولكنّه على معنى النّسب ، كقوله : السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ المزّمّل : 18 ، أي ذات انفطار » . ويحتمل أن يكون « فعيلا » بمعنى « مفعول » من قولهم للملك « حصير » : أي محصور محجوب عن النّاس ، فعليه تكون جهنّم للكافرين موضعا محصورا . 2 - الفراش والمهاد ، وهو قول الحسن ، واختاره بعض كالطّبريّ ، ووجّه هذا المعنى إلى القول : « لأنّ ذلك إذا كان كذلك ، كان جامعا معنى الحبس والامتهاد ، مع أنّ الحصير بمعنى البساط في كلام العرب أشهر منه بمعنى الحبس ، وأنّها إذا أرادت أن تصف شيئا بمعنى حبس شيء ، فإنّما تقول : هو له حاصر أو محصر . فأمّا الحصير فغير موجود في كلامهم ، إلّا إذا وصفته بأنّه : مفعول به ، فيكون في لفظ « فعيل » ومعناه : « مفعول » به ، ألا ترى بيت لبيد : « لدى باب الحصير » ؟ فقال : لدى باب الحصير ، لأنّه أراد لدى باب المحصور ، فصرف « مفعولا » إلى « فعيل » فأمّا « فعيل » في الحصر بمعنى وصفه بأنّه الحاصر ، فذلك ما لا نجده في كلام العرب ، فلذلك قلت : قول الحسن أولى بالصّواب في ذلك » .